|
الترابط العضوي بين الدواوين الثلاثة هو التقاطات الشاعر
بحساسية مرهفة لحالات إنسانية مفعمة بالعاطفة يتعرض لها
الإنسان في أطوار حياته المختلفة ، معبراً عنها بكلمات تفيض
رقة وعذوبة رغم بساطتها.
الديوان الثالث الذي يهديه الشاعر إلى مدينته مصراتة وقراها
تشرق قصائده بالأمل ، بداية بقصيدة (ايقابل سحاب)
ايقابل سحاب
وفـ السحاب ابشاره
اتقول الحبايب
ناويين ازياره
وقبل أن يختم الشاعر ديوانه بقصائد (حاجة غريبة) تحل قصيدة (ما
اتدوم الشده) ، وفيها يتواصل الأمل ، إذ يبشر الشاعر بقرب زوال
الشدة داعياً إلى التحلي بالصبر ، فكل شدة مهما طالت لابد لها
من نهاية ، وهذه حقيقة يؤكدها الواقع والتاريخ وحتى قوانين
الفيزياء ، فالشدة في الحساب الأخير أزمة عابرة ، ظاهرة سوف
تنتهي ، وزيادة الاشتداد هي أبرز علامات النهاية.
ما
اتدوم الشده
صيورها تفراج
يروق البحر لابده
مهما رقت لمواج
فمهما طال الليل سيعقبه فجر مكتظ بالضياء ، وعقب انحسار السيل
حتماً ستزهر الأرض ، تلك هي صيرورة الطبيعة التي نرى آياتها
شاخصة أمامنا.
مهما اطاول ليلنا
كل
ليل عقبه فجر
ومهما تقاوى سيلنا
ينبت وراه الزهر
الديوان الأوسط "سألتيني" يبدأ بقصيدة في الربح ، وهي عبارة
مشتقه من دعاء الأمهات في بلادنا (اجعنك في الربح) يلتقطها
الشاعر وينطلق معبراً عما يختلج في نفس الأم من مشاعر تجاه
أبنائها ، وقد أحسن الفنان سيف النصر وأبدع عندما اختارها
ولحنها وغناها.
في
القصيدة التي حملت أسم الديوان "سألتيني" يجيب الشاعر على
السؤال حول سنوات العمر ، فعمر الشاعر يبدأ بملامسة العشق
لشغاف القلب.
أنا عمري بدا بدري
بدا لما تنسمت الهوى في صدري
وعندما يضمحل العشق ويتوقف القلب عن الهوى ينتهي العمر.
انا عاشق .. وهب عمره
لاجل العشق واصحابه
يهوى القلب من نظره
ويفتح – للهوى - بابه
ويوم القلب ما يهوى
العمر يتم ...
سألتيني على عمري عل سنيني عددها كم؟
وهو محق تماماً على جهة العشق وأهله الذين يعتبرون من لم يعشق
ويخوض غمار الهوى عنفاً واهتياجاً ، تمضي سنوات عمره رتيبة دون
أن يدري ما فاته في الحياة.
وبوسعنا التأكد من خلال دواوين الشعراء العشاق في الشعر
العربي.
عندما تعرفت على محمد اميمه قبل سنوات وخضنا في حديث طويل حول
الشعر وشؤون أخرى، كنت في تلك الأيام قد خرجت للتو من دورة رفع
كفاءة المعلمين بكلية العلوم بمصراتة ، ولفت انتباهي العدد
الهائل من المعلمات اللواتي تأخر زواجهن ، ولا أحب استخدام
المصطلح المعروف في وصف الفتاة غير المتزوجة رغم تقدمها في
السن ، لأنه يحمل في طياته الادانه ، رغم أن الفتاة في مجتمعنا
وفي مجتمعات الشرق بشكل عام غير مذنبة في تأخر زواجها ، لأنها
لا تملك الحيلة في هذا الأمر ، فزمام المبادرة بيد الرجل ،
وإذا توفرت لفتاة الجرأة لعرض نفسها على من تراه زوجاً مناسباً
، فإن الواقع الاجتماعي يرفض هذه الجرأة ويعتبرها عاراً ،
والمفارقة الغريبة هنا هي أن المرأة العربية في عصر ما قبل
الإسلام وفي مرحلة الإسلام الأولى كانت لا ترى حرجاً في عرض
نفسها ولا يستهجن المجتمع هذا المسلك ويراه طبيعياً مادام هدفه
الزواج المعلن.
ويختلف واقع المرأة في الغرب تماماً ، فالفتاة في المجتمعات
الغربي ليست عرضة لأي ضغوط بسبب عدم زاوجها كما أنه متاح لها
حل جميع مشاكلها العضوية والنفسية بدون زواج رسمي.
(المقارنة هنا هي لعرض الواقع المختلف بين المرأة في جنوب
المتوسط وشماله ، وليست لتزكية وضع المرأة في الغرب ،
فالانحلال الأخلاقي والتفكك الأسري والخيانات الزوجية والشذوذ
وغيرها من الانهيارات الأخلاقية هي بسبب تراجع قيم العائلة
خاصة في وسط وشمال القارة الأوربية وكندا وأمريكا بالإضافة إلى
ضعف نزعة التدين ، وبالمعنى في الطريق الرأسمالي فإننا نسير
بخطى بطيئة ولكن ثابتة إلى الإصابة بنفس الأمراض التي يعاني
منها الغرب).
ولأنه ليس من سمع كمن رأى شرحت لمحمد كل هذه التفاصيل وطلبت أن
يقول شيئاً عن هذه المأساة الاجتماعية ، ويبدو أن توفيقي في
نقل الصورة تطابق مع إحساسه السابق بها من خلال ملامسته لمحيطه
الاجتماعي فتفجر هذا الإحساس في قصيدة ((حكاية زهرة)) التي
ضمها ديوانه الأول وكانت أكثر من رائعة ، إذ مزجت بين سهولة
اللفظ وعمق المعاني ، وبرع الشاعر في تصوير أحاسيس ومشاعر
الفتاة التي تعتبرها أسرتها عبئاً ثقيلاً.
صحيح أن القصيدة لن تغير من واقع الحال ولن تحل مشكلة تأخر سن
زواج بناتنا ، إذ لسنا في الزمن الذي تغيره قصيدة أو مقال أو
حتى عشر مجلدات ، فلا تغيير للأوضاع الاجتماعية بدون تغيرات
اقتصادية وثقافية ، ولكن من المؤكد إن قارئ القصيدة سيحس
بمعاناة الفتاة التي تأخر زواجها ، وسيتفهم ظروفها النفسية
والاجتماعية وبالتأكيد سيتعاطف ، لذلك فإنني أدعو كل قارئ لشعر
محمد اميمه إلى قراءة قصيدة (حكاية زهرة) وأدعو كل رجل خاصة
الأباء والأولاد إلى قراءتها ، مؤملاً من صحيفة الجماهير إعادة
نشرها في هذا العدد أو في عدد لاحق.
وألف تحية لشاعرنا الشاب المتألق وليبق دائماً منحازاً إلى
الناس الذين يعيش بينهم.
|